مجمع البحوث الاسلامية
591
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
يقصد به استهزاء الزّائد في غيظه المستهزأ به وتألّمه . وقيل : معناه ضع هذا موضع البشارة منهم ، قالوا : والصّحيح أنّ كلّ خبر غيّر البشرة خيرا كان أو شرّا بشارة . والتّضعيف في ( بشّر ) من التّضعيف الدّالّ على التّكثير - فيما قال بعضهم - ولا يتأتّى التّكثير في ( بشّر ) إلّا بالنّسبة إلى المفاعيل ، لأنّ « البشارة » أوّل خبر يسرّ أو يحزن على المختار ، ولا يتأتّى التّكثير فيه بالنّسبة إلى المفعول الواحد ، فبالنّسبة إليه يكون فعل فيه مغنيا عن فعل ، لأنّ الّذي ينطق به مشدّدا غير العرب الّذين ينطقون به مخفّفا ، كما بيّنّا قبل . وكون مفعول ( بشّر ) موصولا بجملة فعليّة ماضية ولم يكن اسم فاعل ، دلالة على أنّ مستحقّ التّبشير بفضل اللّه من وقع منه الإيمان وتحقّق به وبالأعمال الصّالحة . ( 1 : 110 ) أبو السّعود : أي بأنّه منزل من عند اللّه عزّ وجلّ ، وهو معطوف على الجملة السّابقة . لكن لا على أنّ المقصود عطف نفس الأمر حتّى يطلب له مشاكل يصحّ عطفه عليه ، بل على أنّه عطف قصّة المؤمنين بالقرآن ، ووصف ثوابهم على قصّة الكافرين به ، وكيفيّة عقابهم جريا على السّنّة الإلهيّة من شفع التّرغيب بالتّرهيب والوعد بالوعيد ، وكان تغيير السّبك لتخييل كمال التّباين بين حالي الفريقين . وقرئ ( وبشّر ) على صيغة الفعل مبنيّا للمفعول عطفا على ( اعدّت ) فيكون استئنافا ، وتعليق التّبشير بالموصول للإشعار بأنّه معلّل بما في حيّز الصّلة من الإيمان والعمل الصّالح ، لكن لا لذاتهما فإنّهما لا يكافئان النّعم السّابقة ، فضلا من أن يقتضيا ثوابا فيما يستقبل ، بل بجعل الشّارع ومقتضى وعده . وجعل صلته فعلا مفيدا للحدوث بعد إيراد الكفّار بصيغة الفاعل ، لحثّ المخاطبين بالاتّقاء على إحداث الإيمان ، وتحذيرهم من الاستمرار على الكفر . ( 1 : 93 ) الآلوسيّ : لمّا ذكر سبحانه وتعالى فيما تقدّم الكفّار وما يؤول إليه حالهم في الآخرة - وكان في ذلك أبلغ التّخويف والإنذار - عقّب بالمؤمنين وما لهم جريا على السّنّة الإلهيّة من شفع التّرغيب بالتّرهيب والوعد بالوعيد ، لأنّ من النّاس من لا يجديه التّخويف ولا يجديه وينفعه اللّطف ، ومنهم عكس ذلك ، فكأنّ هذا وما بعده معطوف على سابقه عطف القصّة على القصّة . والتّناسب بينهما باعتبار أنّه بيان لحال الفريقين المتباينين ، وكشف عن الوصفين المتقابلين ، وهل هو معطوف على ( وان كنتم ) البقرة : 23 إلى ( اعدّت ) أو على فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا البقرة : 24 الآية ؟ قولان : اختار السّيّد أوّلهما ، وادّعى بعضهم أنّه أقضى لحقّ البلاغة ، وأدعى لتلائم النّظم ، لأنّ يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا البقرة : 21 ، خطاب عامّ يشمل الفريقين ، ( وان كنتم ) إلخ ، مختصّ بالمخالف ومضمونه الإنذار ، ( وبشّر ) إلخ مختصّ بالموافق ومضمونه البشارة ، كأنّه تعالى أوحى إلى نبيّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم أن يدعو النّاس إلى عبادته ، ثمّ أمر أن ينذر من عاند ويبشّر من صدّق . والسّعد اختار ثانيهما ، لأنّ السّوق لبيان حال الكفّار ووصف عقابهم .